محمد متولي الشعراوي
1652
تفسير الشعراوى
لقد بدأ اليوم بعبوس ، وانتهى بإشراق الطمأنينة ، وبعد ذلك وجدت الخلية التي تكوّن المناعة في نفوس المؤمنين ، بعد أن قال الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ذلك القول « أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد إذ أكرمكم اللّه بالإسلام ، وقطع به عنكم أمر الجاهلية وألف بينكم » . لقد صار هذا القول الكريم مستحضرا عند كل نزع لشيطان ، أو كيد لعدو . لقد جعل الحق المناعة ضد فعل الكيد ، ونزغ الشيطان عند المؤمنين من الأوس والخزرج ، وهكذا نرى أن اللّه يسخر الكافر حتى في رفعة شأن الإيمان ، فلو لم تحدث هذه المسألة ويأتي الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بمنطقه المؤثر وهو بين القوم ليقول ذلك القول لما أصبح لدى المسلمين هذه المناعة من الارتفاع عن البغضاء فيما بينهم ، ولو كان أحد من أتباع الرسول قد قال مثل هذه الكلمة فقد كان من المحتمل أن يحدث هذا الأثر ، لكن عندما قالها الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم فقد أوجدت المناعة لغيرها من الأحداث التي تأتى وقد لا يكون الرسول موجودا . ولذلك فأنت أيها المؤمن إن نظرت إلى الكافرين . فإنك تجد عقولهم خائبة . لقد نشروا الإسلام - دون إرادتهم - بمواقفهم الحمقاء ، فمثلا حين قالوا : سيأتي نبي نتبعه ونقتلكم معه قتل عاد وإرم ، فما الذي حدث ؟ إن الأنصار ساعة أن سمعوا بالدين الجديد قال بعضهم لبعض : اسمعوا يا قوم ، إنه الدين الذي بشرتكم به يهود ، فقبل أن يسبقونا إليه هيا بنا نسبق نحن اليهود إليه . لقد كان استعلاء اليهود وتفاخرهم على الأوس والخزرج دافعا للأوس والخزرج على الدخول في الإسلام ، وهكذا يجعل الحق سبحانه وتعالى كفر الكافر مؤثرا في تثبيت إيمان المؤمن . وحين يقول الحق سبحانه : « وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ » نفهم أنه استعظام وتعجيب يأتي من الحق . فساعة تسمع : « كَيْفَ تَكْفُرُونَ » فذلك أمر عجيب ، لأنه من